حينمَا ينحصرُ الإبداع بينَ “المؤخرة” وَ “الأسيتون” …

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

كنت مؤمناً بأن للأشخاص الحرية في اختياراتهم على اختلافاتها، الدينية والطائفية والعرقية، الأذواق العامة، الفريق المفضل، المقياس المفضل للجمال الخ.. وحاولت جاهداً أن أتفهم الآخرين مهما استفزتني آرائهم أو طريقة طرحهم، لكني وجدتُ نفسي أمام جملة من المفرزات التي تطفو على سطح مجتمعٍ أنهكتهُ أقذر حربٍ عرفها التاريخ الحديث .

أنا هنا لست ناقداً وقد لا أملك الأسس الأكاديمية لكي أكونَ كذلك، فاعتبرني عزيزي القارئ مواطناً متوسط الذكاء، متوسط الثقافة، في فمه كلمتان ثقيلتان على اللسان خفيفتان على الأعين أريد أن أبوح بهما ليس من باب التنظير وإنما من مبدأ فذكر إن الذكرى تنفع المؤمين .

نعم نحن المؤمنون ، فنحن نعيش في بلادٍ أنجبت ما لا يحتمل عقل التاريخِ على تذكره من أسماءٍ أدبية وفكرية وثقافية ، في بلادٍ كانت قبلة الحالمين بالمجد الأدبي والفكري ، و يبدو أننا قد اخترنا بأنفسنا أن نجعل ذلك ذكرى نحشو بها رؤوس أجيالنا ونمضي تحت شعار ” الانفتاح والتطور “، ونحمل شعلة ثورة العولمة دون تفكرٍ أو تعقل ، دونَ أن نعرف الى أين ستؤدي بنا ، نحملها بكل مفاهيمها الخاطئة ونتشبثُ بها وندفنُ آرائنا .

يقول الدكتور عماد فوزي الشعيبي أن صوت العقل لا يُسمع ، فاليوم وفي ظل الأبوابِ المشرعةِ أمام جميع الأعداء جعلنا من نفسنا نحنُ عدواً لذاتنا وأطفالنا وجيلنا ولجمتمعنا ولوطننا ، حينما نسمع ” مؤخرة ” فراس الحمزاوي ونصفق لها نكون أعداءَ أطفالنا ، وأعداءَ جيلٍ كاملٍ سيأتي ويبني على ” مؤخرته ” مستقبل وطنْ !!

لن يحترمَ أحدٌ عقولنا إن لم نحترمهم نحن بالدرجة الأولى ، والفنان أو الكاتب والأديب يجب أن يعرف بأن عليه أن يبذل الكثير كي ينال اعجابنا بما يقدمهُ ، في حين أن آلةَ الحربِ مرت فوق بيوتنا وأطفالنا ونسائنا ، مرت فوق تاريخنا ، مرت فوق مستقبلنا وشبابنا ، فلماذا ندعهم يدعسون فوق عقولنا ويستهزئون باحساسنا ومشاعرنا ولم يبق لنا غيرهم!!

وهم الذين لم يخجلوا حينما كتبوا هراءً ، ولحنوا على  نغمة بساطتنا ، لم يخجلوا حينما كرموا ” الأستيون ” ولو أن ” الشاعر” يسر دولي قد كتب عن ورق الحمام لربما دفنوه فوق أحمد شوقي .

الأمر ليس شخصياً فلربما كانوا أشخاصاً طيبين ، ولا يعلمون مدى تأثير ما يصنعون في أمتنا ومجتمعنا ، إن جيلاً بأكملهِ سيكبر وفي لاوعيهِ أغانٍ هابطة ، وكلماتٍ تستحي منها اللغة ، وملوكَ جمالٍ يثيرونَ الاشمئزاز كلما أطلوا من نافذة ” الحداثة ” .

كم حزنت على وفاة شاعر دمشق “نزار قباني” وكم فرحت أنه لم يعش لحظةً يرى فيها ” الأسيتون ” يُكرَم وهو منفيٌ خارج الوطن .

كم حزنت على بلدٍ بكى أبطالهُ ومثقفيهِ واليومَ هو بلدٌ يلتف في “شاورغما ” عبد الله الحاج ، هؤلاء تجار أزمة حالهم كحال من يحارب على أرضنا ، بيد أن سلاحهُ أكثر فتكاً ، فسلاحه هو أجيالنا .

طلب منا الدكتور بشار الأسد يوماً ما بأن نعتزّ بسوريتنا ، كيف أعتز بها وعبد الحاج يقدم نفسه سورياً و يعرفهُ يافعوا هذا الوطن أكثر من معرفتهم بيوسف العظمة أو ابراهيم هنانو او بدوي الجبل أو ابو فراس الحمداني والقائمة تطول !!

لن أقول ما يجب علينا فعلهُ لأنني من جيلِ سأمَ هذه الطريقة بالتعاطي ، وانما هذه عقولكم قد استباحوها وهؤلاء أطفالكم قد وصلوا إليهم وهم يحملونَ العارَ بين أيديهم ، أنا نفسي لن أزيدَ أعدادَ مشاهديهم رقماً ، سأقاطعهم بعولمتهم ، فكلما سألت واحداً منهم ماذا قدمت للمجتمع سيجيبك : ” انا يتابعني مئات الآلاف ويصل عدد مشاهدات مقاطعي من الفيديوهات إلى مئات الآلاف ” .

حديثهم سيبقى حديث أرقام ، وأنا لن أكونَ رقماً، أنا كيانٌ قائمٌ على هذه البسيطة واحترام عقلي واجبٌ على الجميع كما هو واجبٌ علي أن أحترم عقول الآخرين .

نزار جزماتي – رصد نيوز

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.