أي مستقبل ترسمه الإنتخابات لبيروت ؟

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

تدل الوقائع التاريخية على أن الانتخابات النيابية أو التمثيلية، هي شكل من أشكال الحرب، هي الحرب تلبس لبوس السياسة: دهاقنة، سياسيون، مراوغون، خبراء، مفاتيح. والإنتخابات بمعزل عن المسار التكويني لها مع نظريات جون لوك، وبودان، ومونتسكيو وجان جاك روسو، كانت تهدف إلى تكوين سلطة تستمد شرعيتها من أصل السلطات الشعب، في محاولة لانتزاع الحق الإلهي للملوك في السلطة وتوريثها لأبنائهم..
وتدل الوقائع التاريخية للإنتخابات في لبنان، الذي ورث هذا النوع من التمثيل من دول الانتداب، لا سيما فرنسا على:

1 – رعاية الدول الكبرى للإنتخابات، أو تدخلها لفرض مرشحين، وانجاحهم، وإيصالهم إلى السلطة، من أجل أن يكون الممثل الحقيقي لهذه الدول..

2 – ترشح أبناء العائلات أو ممثلي الشركات، والأحزاب ذات الانتماءات الخارجية المعروفة..

3 – ارتباط الإنتخابات بإمكانيات مالية هائلة، وبتقديم خدمات، تبدأ بتبرئة متهم (ودائماً عبر الأصول المعتمدة في القضاء) أو تخفيف العقوبة عنه، أو تعيين مستخدم في سفارة أو وزارة أو شركة أو بلدية يكون بإمكانه التأثير على عائلة بكاملها..

4 – تسخير أجهزة الدولة، على اختلافها لخدمة مرشحين بعينهم في الأقضية والمحافظات كانت مواقع السلطة المقبلة هي التي تهدّد مَن يتعين عليه أن يفوز أو يضمن فوزه، في الديمقراطية البرلمانية اللبنانية.

5 – السلطات في كل بلد، تسعى لضمان فوز مرشحيها في الإنتخابات، والمسألة تاريخية وليست راهنة (هل تذكرون وقائع فوز يوسف كرم بالإنتخابات الفرعية عن زغزتا عام 1944، وتداعيات انتخابه أمام مجلس النواب والصدامات الدامية حيث ذهب قتلى وجرحى ضحيتها).
مثال آخر، من الحقبة نفسها، انتخابات 25 أيار 1947، وهي أول انتخابات تجري بعد الاستقلال، فنتج عن إيصال أكثرية سمحت له بتحديد ولايته لمرة وحيدة (ومن هذا التمديد وضع الأساس لتمديدات شهدتها الرئاسات اللبنانية، بالصيغة نفسها).

لم يتمكن بشارة الخوري من تمديد ولاية حتى نهايتها عام 1955، (1949+6=1955) فتفجر الوضع مع رئيس الحكومة آنذاك عبد الله اليافي، وبدا أن الأكثرية الشعبية أقوى من الأكثرية النيابية، فبعد إضراب 15 و16 أيلول 1952، استقال بشارة في 18 أيلول 1952..
لِمَ الوقائع التاريخية هذه، المختصرة والمعبّرة؟ الجواب، بكلمتين تتعلقان بانتخابات 6 أيار 2018، على أساس النسبية.

بداية، دع عنك البرامج، دع عنك الأهداف الموهومة على الورق أو عبر الأثير، أو شاشات التلفزة والمواقع. لهذه الإنتخابات مهمة محدّدة: اضعاف شرعية حزب الله التمثيلية، ليس بصفته مكوناً شيعياً، يتقاسم التمثيل مع توأمه حركة «امل» (ومعظم قياداته خرجت من رحمها الصدري).

تمهيداً للانتقال بلبنان من دولة ينخرط الحزب الأقوى في مكوناتها في حروب المنطقة وصراعاتها، بل هو رأس الحربة، مع تهاوي جيوش الأنظمة، والأطراف إلى تشكيل الجيوش البديلة.. وينخرط في حفلة الاضعاف هذه أو ورشة الاضعاف هذه، تحت مسمى الانتخابات، خصوم الحزب التاريخيين، وبعض غير قليل من الحلفاء، أو الناطقين بأن المقاومة قوة للبنان، فالجبهة بوجه الحزب ليست بسيطة، ولا حاجة للكلام عن التدخل والمتدخلين (عودوا إلى الوقائع التاريخية).

بالمقابل، بجهد حزب الله، بعدما أبرم اتفاقاً تاريخياً نادراً مع حركة «امل» قضى بنقطتين: تكريس رئاسة نبيه برّي للمجلس النيابي (والعصمة بيده) وتقاسم المقاعد الشيعية مناصفة (13+13) والباقي للمرشح جميل السيّد.. المعروف بانتماءاته ودوره الماضي والمتوقع.. يمهد إلى صدّ المواجهة والاصرار على ترشيح حزبيين، وعدم المساومة على أي أمر يتعلق بانتزاع التمثيل الشيعي والإمتداد عبر الدوائر من صيدا (عاصمة المقاومة) إلى البقاع الغربي الذي لطالما اقترن اسمه بالجنوب أيام الاحتلال الإسرائيلي وعمليات المقاومة والتحرير إلى الشمال السنّي، حيث تمكن تيّار «المستقبل» من تسديد ضربة إلى خصمه (8 آذار وحزب الله) بترشيح نجل النائب السابق وجيه البعريني على لائحته، إلى العمق الماروني في جبيل – كسروان، حيث يلقي بثقله لإنجاح مرشحه الشيخ حسين زعيتر، مسؤول الحزب في جبل لبنان والشمال.

تحاول قيادات الطوائف الانتصار على الجغرافيا، ويعتقد بعضها ان تغييرات في المرشحين واستبعاد لنواب بعينهم، وهم كثر (مثال كتلة «المستقبل» التي لم يترشح عدد كبير من نوابها، وخرجوا من المجلس) وبناء تحالفات من نوع «المتاهة» (لا أحد يعرف كيف يدخل، وكيف يسير، ومن أين يخرج)، أو التوجه إلى القارات عبر الأجواء البعيدة، لانتزاع صوت من هنا أو هناك (تحركات جبران باسيل من الولايات المتحدة إلى كندا واستراليا وافريقيا) كفيلة بالعودة إلى المجلس والحكومة والوزارة (وجنة المصالح والمنافع) على الرغم من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تنذر بأسوأ العواقب (الانهيار والإنبهار) هل يُمكن لأحد ان يتصور أن معارك الغوطة الشرقية، التي تهدف إلى ابعاد (السنّة الجهاديين) عن دمشق لها صلة بالانتخابات النيابية اللبنانية، والتي تهدف إلى ابعاد حزب «فقراء الشيعة) (حزب الله) عن مدّ نفوذه من الضاحية الجنوبية إلى بيروت وكل لبنان؟

وهل يُمكن لأحد ان يتصوّر أن جبران باسيل الذي أطلق عليه وزير أمل في الحكومة وهو وزير المال علي حسن خليل، لقب «اعجوبة لبنان»، ذهب إلى سيدني وعواصم الانتشار (يستخدم التيار الوطني الحر لفظ Diapora، وهو لفظ عبري بالأساس، تستخدمه الدعاية الصهيونية في معرض الكلام عن المأساة اليهودية والهولوكست) ذهب لكسب التأييد إلى مشروع قوة لبنان بقوته (وحزب الله من ضمنه)؟

المسألة أبعد من النيّات، التحالفات واضحة الغايات.. وثمة سؤال يشغل الدبلوماسيين والجيوبوليتكيين وخبراء التخطيط حول العالم، ومن ضمنه الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان، وهو: هل تنقل الانتخابات بيروت عاصمة هذا البلد إلى عاصمة أكثر استقراراً وازدهاراً في حقبة التحولات المرعبة من دمشق إلى بغداد وعواصم عربية وشرق أوسطية أخرى… أم تكون الشرارة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتنسف بالتالي حلم لبنانيين، وغير لبنانيين من ان تكون بيروت العاصمة الثقافية والاقتصادية والمالية لسورية كبرى، التي تنازع سوريا نظام الأسد على البقاء ضمن مقوماته في ظل نظام إقليمي متهاوٍ، ونظام دولي محموم بين انهيار روسيا الاتحادية «او انعاش الحرب الباردة أيام «الاتحاد السوفياتي العظيم»، ولكنه السابق؟

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.