الإعدام بالخازوق.. علامة عثمانية مسجلة

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

لم تبلغ أداة تعذيب ما وصل إليه الخازوق العثماني الذي أصبح علامة مسجلة في عالم التوحش، يعتبر أبشع وسيلة تعذيب شهدتها الإنسانية، حيث تخترق جسد الضحية عصا طويلة من ناحية، وإخراجها من الناحية الأخرى، ويتم إدخالها بالطرق عليها بمطرقة، ثم يثبت الخازوق في الأرض، ويترك الضحية معلقا حتى يموت.

لم يستثن العثمانيون من الخازوق مذنبا ولا معارضا، وجاب الجلادون جميع الولايات من أدناها إلى أقصاها لإرهاب الرعية في كل من صربيا واليونان وألبانيا وسورية ومصر، فيما تعلم إردوغان أساليب التعذيب العثمانية البشعة وأعاد استخدامها في القرن الواحد والعشرين لإرهاب خصومه والتنكيل بهم.

ولأن العثمانيين يستمتعون بآلام الضحية فقد تعلموا إدخال الخازوق بطريقة تعرقل الموت من الوصول مبكرا إلى الشخص، استخدموا الخازوق لمنع نزف الدم، وبالتالي إطالة المعاناة لأطول فترة ممكنة قد تصل إلى عدة ساعات، وإذا كان الجلاد ماهرا فإنها تصل إلى يوم كامل ليتضاعف الألم بلا رحمة، وزيادة في المعاناة يتم تعليق الخازوق فوق النار، فيصبح أشبه بسيخ شواء، بحيث يمكن أن يتفحم الجسد وهو لا يزال على قيد الحياة.

وحتى يكون الأمر عن دراية دشن العثمانيون “فرقة الخازوق” من الجلادين التركمان، كانت الدولة العثمانية تدفع المكافآت للمهرة الذين يستطيعون إطالة عمر الضحية على الخازوق لأطول فترة ممكنة تصل إلى يوم كامل، أما إذا مات المخزوق خلال فترة قصيرة فيحاكم الجلاد بتهمة الإهمال الجسيم ويتعرض للعقوبة نفسها نتيجة لإهماله.

خوازيق الفاتح
تلذذ السلطان محمد الثاني بمشهد الخازوق، فجعله العقاب الرسمي للمعارضين لحكمه، ويذكر المؤرخ ميخائيل دوكاس في كتابه  أن العثمانيين استخدموا الخازوق خلال حصار القسطنطينية في العام 1453، للتنكيل بسكان القرى المجاورة لأسوار المدينة ممن قدموا مساعدات للحامية البيزنطية، وبعد سقوط القسطنطينية أطلق محمد الثاني العنان لجنود الإنكشارية لخوزقة قادة الجيش البيزنطي وكبار رجال دولتهم.

وعندما ثارت ألبانيا بزعامة جورج كاستريوت المعروف بـ”إسكندر بك” على الاحتلال التركي، جمع إسكندر حوله أبناء شعبه، ورفض دفع الضرائب الباهظة، وطالب بوقف خطف أبناء المسيحيين عن طريق ضريبة الدوشرمة، لكن محمد الثاني رفض مطالبه وأرسل يخاطبهم بعبيد السلطنة.

وجه السلطان جيوشه غربا صوب ألبانيا في العام 1463، وبعد معارك طاحنة قبل إسكندر الصلح، لكن السفاح الدموي عاقب زعماء المعارضة الألبانية بالنفي، ثم غير قراره وأمر بإعدام 150 شخصا  بوضعهم على الخوازيق التي نصبها في منطقة “أليسيو” على نهر درين، في عين المكان الذي تلقت فيه الجيوش العثمانية الهزيمة على يد إسكندر بك في عام 1458.

أداة لإخماد الثورة اليونانية 
أثناء فترة الاحتلال العثماني لليونان، أصبح الخازوق أداة مهمة من أدوات الحرب النفسية التي دبت الرعب في نفوس السكان خاصة الفلاحين، وبحلول القرن الـ19 باتت احتجاجات اليونانيين مصدر إزعاج كبير للحكومة العثمانية، فكانت تتم خوزقة المحتجين علنا في الميادين العامة.

وشهد عاما 1805 و1806 أكبر جريمة خوزقة بحق الفلاحين اليونانيين، الذين ثاروا على الحكم التركي مطالبين بتخفيض الضرائب على الأراضي الزراعية، فما كان من السلطان سليم الثالث إلا أن أرسل قوات من الإنكشارية يصاحبها فرقة من الجلادين المدربة على الخازوق، وبعد فض الاحتجاجات نُصبت الخوازيق التي أزهقت أرواح المئات.

أما في حرب الاستقلال اليونانية (1821-1832)، فتم القبض على الزعيم اليوناني أثناسيوس دياكوس، الذي ثار على الاحتلال العثماني واستطاع حشد اليونانيين خلفه ، وفي عام 1821 وقع دياكوس في الأسر، وبعد رفضه اعتناق الإسلام والانضمام إلى الجيش العثماني، تمت خوزقته وشواؤه على النار حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ليصبح الاستقلال مطلبا وتشتعل الحرب اليونانية التي كسرت غرور المحتل التركي، وألبسته الخازوق العثماني.

وسيلة لإبادة الصرب 
أظهرت الثورة الصربية (1804-1835) ضد الإمبراطورية العثمانية مشاهد تعذيب بشعة عن طريق (فرقة الخازوق)، ففي مطلع 1804 واجه الصرب مذابح مروعة على يد الإنكشارية التي نفذت مذبحة لنبلاء الصرب المسيحيين تم التخطيط لها سلفا، وأعدم منهم 150 بالخازوق.

وظلت المشاعر السيئة بين الصرب المسيحيين تجاه الدولة العثمانية قائمة، وفي عام 1814 انفجرت ثورة في مدينة رودنيك في بلجراد، وهو ما دفع الوالي العثماني سليمان باشا إلى ذبح الكثير من المتمردين، وخوزقة 200 شاب صربي.

إعدام مينو.. دليل العقوبة البشعة
يذكر ابن إياس أنه بعد دخول العثمانيين مصر استخدموا الخازوق على نطاق واسع، فخلال سعيهم للبحث عن كنوز أثرياء المماليك قتلوا الكثير منهم، وهو ما دفع بعض المماليك لدفن ثرواتهم، ولما وصلت تلك الأنباء إلى مسامع سليم الأول قرر معاقبتهم، فقتل العشرات منهم بالخازوق، وهدد أثرياءهم بمواجهة العقوبة المفزعة إذا لم يسلموا ثرواتهم المخفية.

انتشرت القصص المروعة عن بشاعة الغزو العثماني، وتناقلت الألسنة روايات عن فرق الجلادين التي خوزقت شيوخ القبائل، مما جعل الصغار ليلا في الشوارع يجسدون المشاهد المروعة بتمثيليات ومسرحيات طفولية تدور حول جرائم سليم في شوارع المحروسة، واختتموها بمشاهد الخوزقة، الأمر الذي قابله سليم الأول بفرمان منع خروج الأطفال ليلا وحظر مثل تلك الأشكال الفنية، ويزخر كتاب “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” للمؤرخ الجبرتي بالعشرات من حوادث القتل بالخازوق، بينما لم تكن واقعة إعدام سليمان الحلبي على يد “مينو” قائد الحملة الفرنسية على مصر، إلا دليلا على وجود أسلوب العقوبة في الولايات العثمانية.

استبدله أهل دمشق بالساري 
في ساحة المرجة بقلب العاصمة السورية دمشق، يوجد سارٍ كبير تحيط به حديقة غنّاء تستمد مياهها من أحد فروع نهر بردي الشهير، المنظر العام الذي يضفي نوعا من الشاعرية والرومانسية يخفي وراءه حكاية تاريخية تهز الوجدان وتقشعر منها الأبدان، وتكشف عن الوجه القبيح لدعاة الإسلام والحرية، ليبقى الشاهد أثرا على جرائم الأتراك وحقدهم على سورية.

فهذا الساري كان موضوعا بدلا منه منذ قرن أكبر الخوازيق التي استخدمت في إعدام المعارضين السياسيين وأبطال النضال الوطني، ففي بدايات القرن العشرين انتفضت سورية ضد الأتراك الذين عاثوا فسادا في الأرض وخربوا ديار الشام وقضوا على كل أشكال الحضارة المزدهرة، فانتفض الشعب السوري معلنا الثورة على الفساد والطغيان، واندلعت معارك كثيرة أشهرها “الكفر”، التي وقعت في العام 1910 بين مجموعة من المجاهدين يقودهم ذوقان الأطرش وقوات الدولة العثمانية بقيادة سامي باشا الفاروقي الذي حشد جيوشه لكسر شوكة سورية وإخضاعها لسيطرتها، وكان نتيجة ذلك إعدام ذوقان في عام 1911 بعد أن ترك وصيته الشهيرة التي قال فيها قبل لحظات من التفاف حبل المشنقة حول عنقه: “أوصي أبناء وطني ألا يثقوا بالدولة العثمانية أبدا”.

وفي الميادين نصب الأتراك الخوازيق لإعدام قادة الثورة والمشاركين فيها فقضوا على الآلاف من طليعة الشعب السوري، ليسلموا سورية لقمة سائغة للمحتل الفرنسي

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.