لبنان يفرّط بأراضي «التحفّظ»!

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

قبل نحو شهر، مُنع الجيش اللبناني من التحرك لمنع العدو الإسرائيلي من احتلال أراضٍ لبنانية «متحفظ عليها» في منطقة العديسة الجنوبية. قضم العدو ما يوازي 144 دونماً من أراضٍ يملكها لبنانيون، والدولة في غفوة متعمّدة، فرضتها التهديدات الأميركية. العدو عاود في الأيام الماضية استكمال قضمه للأراضي في بقعة «الطيارة»، و«لا حياء لمن تنادي»… عاجزاً، يقف الجدار الإسمنتي قرب مستوطنة المطلّة في شمال فلسطين المحتلّة، عن حجب الرؤية. هنا من كفركلا، تبدو قمم جبل الشيخ البيضاء متصّلة بالسماء، وتحتها السفوح الغربية للجولان السوري المحتل، تشكّل امتداداً طبيعياً للجنوب اللبناني، والشمال الفلسطيني، بالحقول المخضرّة وغابات الصنوبر والشربين المتناثرة على جانبي الحدود المصطنعة. وحده جدار الموت الإسمنتي، المجبول بالرعب والانعزالية والعنصرية، يحاول أن يحول بين الحياة والحياة، أن يوقف تدفّق العشب والهواء والشمس.


صعوداً من خلف حاجز الجيش اللبناني الذي شهد «معركة الشجرة» في عديسة عام 2010، تُوصل الطريق إلى منطقة «الخرق الأكبر»، والنقطتين B79-B86 و BP37-B86، المطلة على مستعمرة «مسكافعام». ما إن تلاحظ دورية القوات الدولية، حركة ما، حتى تستنفر وتبدأ اتصالاتها لاستطلاع هويّة الزوّار. في الأيام الأخيرة، استكمل العدو ضم الجزء الأكبر من منطقة «التحفّظ» في عديسة إلى داخل الجدار. من على الطريق العام، تظهر عشرات أشجار الصنوبر البري اللبنانية خلف الجدار، في مساحة 144886 متراً مربعاً، من الأراضي اللبنانية التي يملك أهلها من أبناء القرى أوراق «طابو» تثبت ملكيتهم لها. ولعلّ هذه البقعة، هي الأكثر أهمية واستراتيجية من ضمن نقاط التحفّظ الـ 13، إضافة إلى نقطة رأس الناقورة، التي تعرف بـ B1-BP1، ومساحتها 3341 متراً، عدا عن ثلاث نقاط تحفّظ «شعبية» في ميس الجبل وبليدا وعيترون، يرفض أهلها الاعتراف بالخطّ الأزرق فيها لملكيتهم هذه الأراضي الزراعية، وهم يزورونها اليوم بالتنسيق بين الجيش والأمم المتحدة.

وضع العدو حتى الآن 480 حاجزاً إسمنتياً بطول 720 متراً متذرعاً بحماية مستعمرة «مسكافعام»


لم يوفّر أي مسؤول أميركي زار لبنان خلال العام الماضي، فرصة إلا ومارس فيها الضغط على الدولة اللبنانية بهدف فصل ملفّ الصراع «الحدودي» في البر عن الصراع «الحدودي» على البحر. أراد هؤلاء انتزاع أوراق القوّة في البرّ من يد الدولة، مثل نقطة عديسة، تمهيداً للبدء بانتزاع أوراق القوّة في البحر، مثل نقطة رأس الناقورة التي تؤثّر تأثيراً مباشراً في حصّة لبنان من المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر، وتالياً حصة لبنان من النفط والغاز في الحقول الجنوبية المشتركة مع فلسطين المحتلة. من محاولات «الوسيط» الأميركي السابق فريديريك هوف، إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون إلى بيروت العام الماضي وقبلها نائبه ديفيد ساترفليد، وبعدهما نائب وزير الخارجية الحالي ديفيد هيل، يكرّر الأميركيون مطالباتهم بفصل ملفات الحدود البحرية عن البريّة. ومع أن اللبنانيين خرجوا بموقف موحّد، وهو رفض هذا الفصل أمام الموفدين الأميركيين، إلّا أن ذلك لا يخفي الانقسام اللبناني الضمني. إذ يعتبر رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، أن فصل الملفين عملاً بالطلب الأميركي، هو ما يحمي حقوق لبنان وأن البديل عن المواجهة هو لجوء لبنان إلى التحكيم الدولي عملاً بقانون البحار، وكأن قرارات «منظمات العدالة الدولية» أتت يوماً بنتيجة أو أعادت حقوقاً للبنان أو فلسطين، في مواجهة الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل. فيما يتمسك الرئيس نبيه بري وحزب الله بضرورة ربط الملفين، واستخدام أوراق القوّة في البرّ للحفاظ على الحقوق في البحر. ومن هذه الأوراق، مسألة بقعة عديسة، التي يصرّ العدو الإسرائيلي على الحصول عليها بهدف حماية مستعمرة «مسكافعام»، وكان قد عرض في السابق التنازل عن هذه البقعة المرتفعة مقابل إعطاء لبنان بقعة منخفضة قريبة، وقوبل طلبه بالرفض.
وليس خافياً أن التهديدات الأميركية، ومعها الضغوط الفرنسية والبريطانية، تعاظمت في المرحلة الأخيرة، مع تأكيد تلك الدول بأن العناد لن ينفع لبنان برفضه فصل الملفين، وأن إسرائيل ستعمل على ضمّ بقعة عديسة بالقوة، وهو ما أبلغه ضبّاط العدو للجيش اللبناني خلال اجتماعات اللجنة الثلاثية في الناقورة بتاريخ 11 كانون الثاني الماضي.

أي استراتيجية مواجهة؟
أمام تحوّل احتلال العدو لبقعة «التحفّظ» في عديسة إلى أمر واقع، لا بدّ من طرح مجموعة من الأسئلة، تتعمّد السلطة السياسية عدم الإجابة عنها، أو إهمالها، في الوقت الذي لا يملك القادة العسكريون الأجوبة عليها، خصوصاً بعد أن مُنع الجيش من القيام بواجبه والوقوف بوجه العدو، كما حصل في ميس الجبل قبل نحو شهرين وقبلها في الناقورة.
أوّلاً، لماذا أعطيت أوامر مغايرة للجيش خلافاً للمرات السابقة التي ترك فيها له حريّة التصرّف بما يراه مناسباً لمنع العدو من الخرق البري؟ فإذا كان منع الخروقات الجوية اليومية صعباً بسبب عدم امتلاك الأسلحة المضادة للطائرات، ما الذي يمنع الجيش من منع العدو عن القيام بالخروقات البريّة، وهو يملك الحد الأدنى من السلاح المطلوب للاشتباك الأوّلي، وفي ظلّ وقوف المقاومة بقوتها البرية الكبيرة على كامل الحدود خلفه، وخشية العدو الإسرائيلي من الانزلاق إلى الحرب الواسعة؟
ثانياً، إذا استمر العدوّ بقضم الأراضي، وهو مستمر، ما الذي يعوّض لبنان عن نقاط القوّة في البرّ وما الذي يمنع العدو من استخدام الاستراتيجية نفسها في البحر؟ ثمّ من لم يستطع منع العدو من وضع الجدار الاسمنتي في الأراضي المحتلة، كيف سيجبره مستقبلاً على نزعها؟ أم ستتحول تلك الأراضي إلى مزارع شبعا محتلة جديدة وقرية الغجر محتلة جديدة؟
ثالثاً، ما هي خلفيات عدم الرّد؟ وما هو حجم التهديدات الأميركية؟ ما هي استراتيجية المواجهة المقبلة؟ وما هو تبرير دعاة فصل البحر عن البرّ وسط كل هذه العنجهية الإسرائيلية والتآمر الأميركي؟
رابعاً، كيف يجيب دعاة نزع سلاح المقاومة على أسئلة اللبنانيين، والمواطنين الجنوبيين تحديداً، طالما أن السلطة السياسية تمنع الجيش اللبناني من القيام بمهامه خضوعاً للضغوط الأميركية؟ وكيف يمكن للمواطنين الثقة بقدرة الدولة على حمايتهم وهم يرون العدو ينتزع أراضيهم من دون أي مقاومة؟ وكيف يمكن الركون مستقبلاً، للقبول بخضوع المقاومة لقرار الدولة اللبنانية الرسمي في أي استراتيجية دفاعية مقبلة، طالما أن الدولة تتجاوب مع الضغوط الدولية ولو على حساب حقوقها وسيادتها؟

الكاتب : فراس الشوفي – الأخبار

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.