بلدية بيروت: دعوا السيّارات تأتي إليّ!

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

على مبدأ «… وداوني بالتي كانت هي الداء»، تبحث بلدية بيروت عن حل لأزمة ازدحام السير في العاصمة! المجلس البلدي أطلق أخيراً مناقصات لإنشاء مواقف للسيارات في قلب بيروت، لا على مداخلها، ومن خارج خطة متكاملة للنقل العام. «الحلّ» البلدي، وفق خبراء التخطيط المدني، «دعوة معلنة» للبنانيين للنزول إلى العاصمة بسياراتهم الخاصة، ما يعني مزيداً من الازدحام والتلوّث!

على مشارف العام 2020، لا تزال بلديّة بيروت تفكّر بـ«أين يركن أصحاب السيارات سياراتهم؟»، بدل البحث عن طريقة لخفض أعداد المركبات التي تدخل العاصمة يومياً، وفق خطة متكاملة تتضمن تحسين النقل العام وتشجيع استخدام وسائل تنقّل صديقة للبيئة.

تؤمن المباني المقترحة نحو 1850 موقفاً وهو رقم ضئيل مقارنة بأعداد السيارات التي تدخل إلى العاصمة يومياً(أرشيف)
أربع مناقصات أطلقها رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، مؤخراً، لتشييد ثلاثة مبانٍ للمواقف، بطوابق تحت الأرض وفوقها، في الحمرا والأشرفية وكورنيش المزرعة، وتحت حديقة الرملة البيضاء، إضافة إلى تلزيم مجلس الإنماء والإعمار إنشاء موقف تحت حديقة المفتي حسن خالد في منطقة عائشة بكّار.
المناقصات تأتي ضمن «خطة» المجلس البلدي لحلّ مشكلة السير في العاصمة وزحمة الـ«250 ألف سيارة التي تدخل إليها يومياً»، وفق عيتاني. علماً أن الأرقام تشير إلى أن ما يزيد على نصف مليون مركبة تدخل بيروت يومياً. من خارج جدلية الأرقام، تؤمن المباني المقترحة نحو 1850 موقفاً، وهو رقم ضئيل مقارنة بأعداد السيارات التي تدخل إلى العاصمة، وقياساً إلى الكلفة الإجمالية لإنشاء المواقف، والتي قد تصل، وفق مهندسين، «إلى ما يناهز الـ 30 مليون دولار». إلا أن الأهم هو أن العقارات التي اختيرت لإنشاء المواقف تقع في قلب العاصمة، وفي مناطق سكنيّة مزدحمة أساساً، وأن المخططات المطروحة تتضمّن إنشاء محلات تجارية في المواقف، ستجذب بطبيعة الحال مزيداً من الزوار والسيارات… والازدحام. العقارات المستهدفة بالمشاريع هي حالياً إما مواقف للسيارات أو حدائق متروكة مثل حديقة الرملة البيضاء وحديقة المفتي حسن خالد، ما يشير إلى استسهال في الاختيار بدل أن يكون الأمر من ضمن خطة مدروسة للتخفيف من استخدام السيارات واستبدالها بالنقل العام المتطوّر. «مش كل مطرح فارغ نفكّر نعبيه باركينغ» يقول المهندس المعماري والمخطط المدني إبراهيم منيمنة، مشدّداً على «أن إنشاء مبانٍ لمواقف السيارات يجب أن يأتي ضمن خطة استراتيجية لمواقعها بالنسبة إلى النقل العام، أي أن تكون قرب محطات الباصات المقترحة من البلدية حتى يترك الناس سياراتهم على مداخل العاصمة ويدخلوا إليها بالنقل العام، لا أن تُزرع المواقف داخل العاصمة».

تتضمن أبنية المواقف المطروحة للتلزيم إنشاء محلات تجارية ما يجتذب مزيداً من الازدحام!

علماً أن عيتاني ذكّر، أثناء الإعلان عن مناقصات المواقف، بمشروع الـBRT (حافلات التردّد السريع من طبرجا إلى بيروت) الذي ينفّذه مجلس الإنماء والإعمار بتمويل من البنك الدولي، ومشروع الـMonorail (خط سكك أحادي) والباصات الصديقة للبيئة «الذي سنبدأ به في 2019». وعليه، فإن الأجدى بحسب خبراء في التخطيط المدني، أن يتم اختيار أماكن إنشاء المواقف على مداخل العاصمة (في خلدة والكرنتينا مثلاً) حيث تنخفض قيمة العقار مقارنة بالمواقع المقترحة، وحتى يتسنى للداخلين إلى بيروت ركن سياراتهم فيها واستخدام النقل العام.
الخبير في نظم النقل الدكتور تمام نقاش اعتبر أن «زيادة المواقف في منطقة ما هو دعوة علنيّة للناس للمجيء بسياراتهم إليها»، لافتاً إلى أن «الاتجاه العالمي في قوانين البناء يتطلّع إلى خفض عدد المواقف المسموحة للأبنية ويصل إلى حد إلغائها في المباني السكنية أو المخصصة للمكاتب لتحفيز السكان والعاملين على استخدام النقل العام». يلفت نقاش أيضاً إلى أنه على رغم الشكاوى من ارتفاع تسعيرة المواقف في بيروت، إلا أن الاتجاه يجب أن يكون نحو رفعها أكثر وفق الكلفة الحقيقيّة لسعر الأرض وكلفة البناء لتشجيع الناس على عدم استخدام سياراتهم، «لكن ذلك كله لا يمكن تطبيقه ما لم توضع خطة متكاملة».

حلول غير مستدامة
التقديرات تشير إلى أن نحو 70 في المئة من عمليات التنقل ضمن بيروت الكبرى يجري بواسطة السيارات الخاصة، فيما تتوقف خطوط النقل العام عند حدود بيروت الإداريّة. استناداً إلى ذلك، يصبح إنشاء مبانٍ كمواقف للسيارات «حلّاً غير مستدام، بل ضدّ مصلحة المدينة ويزيد التلوث فيها» بحسب أستاذة التخطيط العمراني في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز. إذ «لا يمكن الاستثمار في المواقف لأنها تزيد من استخدام السيارات الخاصة، ما لم ترتبط بحركة الباصات والمشاة». بكثير من التحفّظ على المشاريع المطروحة، ترى فواز أنه «يجب التفكير بحركة الإنسان في المدينة خارج حركة السيارة. المدن الكبرى مثل باريس ولندن تضع هدفاً سنوياً يقضي بخفض عدد مواقف السيارات لتشجيع الناس على التنقّل مشياً واستخدام النقل العام والدراجات الهوائية». أما المواقف «فيجب أن توضع ضمن مخطط كامل للحيّ الذي تبنى فيه، لتكون بخدمة سكانه وحاجاتهم وليس السيارات الزائرة. على سبيل المثال، قد يكون مطلوباً إنشاء موقف في الرملة البيضاء لخدمة زوّار الكورنيش. لكن إنشاء موقف تحت حديقة حسن خالد سيزيد الازدحام وفقاً لموقع الحديقة على الطريق العام». فيما المحال التجارية المقترحة ضمن مباني المواقف «مشكلة أخرى لأنها ستزيد من زحمة السير حولها وعلى مداخلها ومخارجها وستجذب مزيداً من السيارات». برأي فواز، على بلدية بيروت «التفكير على مستوى بيروت الكبرى وليس بيروت الإدارية». وتلفت إلى أن الأوتوستراد الدائري حول بيروت من الأمثلة على استمرار ذهنية تشجيع التنقل بالسيارة الخاصة وتسهيل ركنها وحركتها داخل المدن، وهو ما يتعارض وتوجّهات التخطيط العمراني الحديث، مشيرة إلى أن «اقتراح الأوتوستراد الدائري يعود إلى الستينيات وهو مشابه للـBoulevard Périphérique حول باريس والذي يعتبره الفرنسيون اليوم غلطة»!

تقليص المساحات الخضراء
إنشاء موقف تحت حديقة عامة يعني «خسارة ثلث مساحة الحديقة بين منحدرات ومصاعد وسلالم حرائق وفتحات تهوئة، كما أنه يزيد من التلوث الذي وجدت الحدائق للحدّ منه» بحسب منيمنة. ناهيك عن الآثار البيئية، فـ«إنشاء موقف تحت حديقة يفصل الأشجار عن التربة الأم وعن النظام البيئي ككل، ولا يمكن إعادة البيئة نفسها للشجرة في حال أزيلت الحديقة وأعيد زرعها فوق الباطون»، وفق المهندسة المعمارية والمخططة الحضرية سهير عاصي. تسأل عاصي عما إذا «تم إجراء مسح للقيمة البيئية للحدائق المنوي تشييد المواقف تحتها، وهل حماية الأشجار ضمن دفاتر الشروط؟». وكذلك عن «دراسة تقييم تأثير حركة المرور قبل بناء مواقف في مناطق سكنيّة، خصوصاً أن التلوّث سيزداد في ظلّ نوعية المحروقات المستخدمة، كما أن الازدحام على مداخل المواقف سيزيد من نسب التلوث». لا يمكن، وفق عاصي، الركون إلى «حلول جزئية كإنشاء أبنية للمواقف من دون إيجاد حلّ لأزمة السير»، ناهيك عن ضرورة «أن تكون المواقف متعددة الاستعمالات مع معايير حديثة، كالتشجيع على استخدام الدراجات الهوائية بإعفاء مستخدميها من رسوم الركن، وتفعيل تطبيقات إلكترونية تمكّن الناس من مشاركة سيارة الأجرة نفسها أو حتى السيارة الخاصة في حال كانوا ضمن المنطقة نفسها وفي طريقهم إلى منطقة مشتركة، والتوعية على ثقافة تشارك السيارة بين المواطنين (Car Sharing) بما يخفّض الكلفة البيئية والكلفة الماليّة على المواطنين».

الكاتب : ايلدة الغص – الاخبار

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.