البادية والجنوب و معارك كسر العضم

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

السؤال الملحّ هذه الفترة والذي لا بد من الإجابة عليه بشكل عاجل، هو: “هل لا زال اسم محور المقاومة ملائمًا بالنظر الى الوقائع الجديدة المتشكلة بنتيجة انتصارات الميدان؟”. وحتى لا يتم تفسير السؤال في خانة التفاؤل والتشاؤم، لا بد من عرض الوقائع والمستجدات المرتبطة به.

بالنظر الى ما يحققه الجيش السوري وحلفاؤه في سوريا وما يحققه الجيش العراقي والحشد الشعبي في العراق، بات بمقدورنا القول ان الإنتهاء من مرحلة مقاومة المشروع المعادي على وشك الأفول، وهو ما ينطبق ايضًا على الصراع مع الكيان الصهيوني وليس الجماعات الإرهابية فقط.
ملامح تحالف كبير بدأت بالظهور كمقدمة لإرساء حلف غير مسبوق قائم على المشاركة من الصين الى روسيا وكامل المنطقة تشكل سوريا فيه مركز القلب، وهو ما نتلمسه من تصريحات قادة الدول التي ستشكل عصب الحلف الجديد والذي سيكون فاعلًا وديناميًا ومؤثرًا في السياسة الأميركية نفسها، وانا اعني هنا التصريحات الأخيرة التي صدرت عن قادة الدول في روسيا والصين وايران وسوريا والعراق ومعهم حزب الله، حيث شهدنا في الشهرين الأخيرين نَفَسًا مختلفًا فيه الكثير من الثقة بالقدرات وهو ما لم يكن ممكنًا حدوثه قبل نصف سنة الى الوراء.

قبل ستة اشهر، ما كان ممكنًا للرئيس فلاديمير بوتين ولا للرئيس الأسد ان يذهبا بعيدًا في الثقة حيث كان وضع الميدان مختلفًا عن الآن، فحينها لم تكن حلب قد توحدت وكانت الجماعات الإرهابية لا تزال تسيطر في الغوطة الغربية لدمشق ولم تكن داريا والمعضمية وقدسيا والهامة والتل تحت سيطرة الدولة، وكذلك وادي بردى والزبداني واخيرًا القابون وبرزة وايضًا حي الوعر في حمص.
الآن يمكننا القول ان اكبر ست مدن في سوريا تضم القسم الأكبر من السكان تحت سيطرة الدولة وخالية من اي سلاح غير شرعي، وهي: دمشق وحلب وحماه وحمص واللاذقية وطرطوس، وعلى وشك ان تنضم لللائحة قريبًا مدينة درعا وستليها دير الزور.

ان استعادة الدولة سيطرتها على المناطق المذكورة اعلاه اتاح للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ان تستفيد من فائض عددي ولوجستي محنّك ومجرّب في معارك طاحنة واسطورية، وان تبدأ بتشكيل قوة احتياط استراتيجية كانت السبب الأهم في حسم معارك ريف حلب الشرقي وما حصل اخيرًا ضمن معركة الفجر الكبرى والتي تنتظر انجازات متلاحقة.
حتى نمط قتال الجيش تغير بنتيجة تقلص محاور القتال، فبدأنا نرى في معارك ريف حلب الشرقي قتالًا سريعًا وخاطفًا يعتمد على رسم خط جبهي عريض بعمق كبير تسبقه عمليات كنس ناري عبر اشباع منطقة العدو بالنيران واستخدام الحركة والنار، ما يجعلنا نقول ان مرحلة الدفاع المتحرك خلال السنوات السابقة قد انتهت ليحل محلها نمط الهجوم الشامل وما تخلل المرحلتين من عمليات متعددة تنوعت بين الهجوم المضاد الموضعي على محور محدد وعمليات التثبيت والماورة باسلوب اعادة التموضع.

خلال مرحلة ليست بالبعيدة سنشهد تشكل خط الجبهة الإستراتيجي في سوريا الممتد من جنوب مسكنة شمالًا حتى التنف جنوبًا، وهو الخط الذي ستندفع منه القوات اندفاعات سريعة وكاسحة لن يكون بمقدور “داعش” المنهار ان يقاومها او يؤخرها بالنظر الى حجم القوى المحتشدة والتي ستقوم بعملية كسر عظم للبنية التحتية للتنظيم الذي يشهد تساقطًا دراماتيكيًا في سوريا والعراق.
حتى اللحظة لم تنطلق العمليات الكبرى بانتظار استكمال تنظيف جيوب “داعش” شرق السلمية وفي محيط خناصر بتزامن بدء معركة درعا الكبرى، حيث سيتم شل قدرات الجماعات الإرهابية واعادة وصل الممرات التي انشأها الجيش السوري في الجنوب والتي يحشد فيها ما يلزم من مقومات المعركة الكبرى.

كما في سوريا كذلك في العراق، سيتقدم الحشد الشعبي من الشمال الى الجنوب حتى معبر القائم وهي العمليات التي تسير بتسارع غير متوقع.
عندها سيكون بامكاننا ان نؤرخ للإنتقال الى شرق اوسط جديد على غير ما ترغب اميركا، التي تراهن حتى اللحظة على تحقيق اهدافها عبر ادوات وظيفية ستتخلى عنها في اللحظة التي تدرك فيها الادارة الأميركية استحالة الإكمال في تنفيذ مشاريعها، وهو ما يظهر جليًا في سلوك ترامب وادارته حيث كان واضحًا ان اميركا قد تساعد وتشرف ولكنها لن تقاتل عن احد لا الخليجيين ولا الأكراد الإنفصاليين ولا غيرهم، مع توقعي لاستدارات كبيرة في كل من مصر وتركيا حيث نرى الآن مصر منخرطة بشكل فاعل في ليبيا برضى روسي وقبول سوري وايراني، وحيث سنرى تحولًا تركيًا اجباريًا لا يخالف طبيعة المصالح ستفرضه المتغيرات. فلا مصر ولا تركيا قادرتان على التغريد خارج سرب الحلف الجديد القائم على المشاركة والإحترام بديلًا عن مشروع الهيمنة والإخضاع الذي تمضي فيه اميركا حتى اللحظة.
معارك كسر العضم القادمة سيُسمع صداها في كل عواصم الكون، وستكون سوريا بشكل خاص صانعة لتحول من اكبر التحولات عبر التاريخ البشري لجهة اعادة ترتيب الجغرافيا والمصالح.
بيروت برس – عمر معربوني

 

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.