عودة الموازنة من “المنفى”… نهائيّة؟

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

في الدرجة الأولى والأخيرة يمكن اعتبار استقبال مجلس النواب الموازنة العامة لهذا العام حدثاً لعمرك رائعٌ أن تُستقبلي بالتصفيق الحاد والهتافات أيضاً. بل بالوقوف إجلالاً وترحيباً.
بعد 12 عاماً من الإهمال، والنسيان، والانقطاع حتى عن ذكرها، إذا بها تطلُّ على ساحة النجمة بكل وقارها الذي كان يثير الذعر في نفوس كثيرين. لقد أيقظ فينا هذا الحدث حنيناً إلى الزمن الجميل ورجالاته. وإلى جلسات نيابيَّة كانت تنافس أرقى المسارح في حواراتها، فيتسابق إلى مقعد في الشرفة الداخليّة سفراء وصحافيّون وسياسيّون من مختلف الهويات والأقطار…
تدهمني في هذه اللحظة صورٌ من ذلك الزمان وتلك الجلسات، حيث ينبري النائب نصري المعلوف للرد على النائب الشيخ بهيج تقي الدين، فيبديان كفارسين يلاعبان سيفين من النقاش القانوني الدستوري، فيجنُّ التصفيق في القاعة كما في الشرفة ممّا يتعب مطرقة رئيس المجلس بعد كل جولة.
ولكن، كان زمان… كان ومضى. ومضى معه كل ما كان يميّز هذا اللبنان، وهذا المجلس، وهذه القاعة، وهذه النقاشات الدستوريّة القانونيّة المبالغة في الأناقة والدقّة.
ومضت الموازنة تجتر وحدتها لفترة دزينة من السنوات، والتجاوز، والقفز فوق الأرقام أو بصحبتها. وها نحن اليوم نكاد نفرك أعيننا وآذاننا لنصدّق أن مجلس النواب عاد فسمح للموازنة بالدخول إلى حرمته.
أمّا كيف، ومَنْ، وعلى أيّ أساس، وعلى من الاتّكال والاعتماد باستثناء مطرقة الرئيس نبيه برّي، ومداخلاته شبه المتواصلة لتصويب الكلام والأرقام والأوقات، فهذا أمرٌ آخر.
نغادر منصّة الحنين والذكريات إلى كنف الواقع، حيث بات الشعب اللبناني بأكثريّته الساحقة فاقداً الثقة بالدولة، أو ما تبقّى منها. وبالمسؤولين، والنواب والوزراء والسياسيّين.
يجب أن تأخذوا جميعكم علماً أن لدى الشعب اللبناني المهموم أزمة ثقة مع الطبقة السياسيّة النافذة، ومع الأحزاب النافذة، ومع المسؤولين وحواشيهم النافذة، ومع كل ما في الدولة ومَنْ يعفِّر من كرومها.
كان الناس يتوقّعون عودة دولة القانون بكل حلّتها وعدَّتها وعدالتها، والأنظمة العامّة التي كانت تطبَّق بدقّة صارمة في مراحل الزمن الجميل، وكانوا يتوقّعون الكثير من التغيير مع انتخاب الرئيس القوي الجنرال ميشال عون. لكنَّ شيئاً لم يتغيَّر على أرض الواقع.
بل أُضيف إلى الوضع المهزوز والمهزوم بروز أشخاص لم تعد رؤوسهم تحملهم، إضافة إلى المخاوف من الخارج إيّاه الباسط نفوذه في البلد، وتالياً من مناظرات التهويل والترهيب، والتلويح بالحروب العاطفيّة.
المهم عادت الموازنة من “المنفى”، فلننتظر.

الكاتب: الياس الديري – النهار

إن التعليقات الواردة أدناه هي رأي خاص للمعلق وليس لـ"رصد نيوز" أي صلة بها
Share.